ابن عرفة

71

تفسير ابن عرفة

سلك في أول الآية مسلك التسلية بذكر اسم النبي ، وإنما ذكر قومه الذي نزلت بهم العقوبة ، وظاهر هذه الآية أن عاد أهلكت ، خلاف ما يقتضيه قوله تعالى : في فصلت صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ سورة فصلت : 13 ] . قوله تعالى : ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ . إما على حذف الصفة ، أي من شيء منهم ومن أنعامهم أو عام مخصوص بالمخالفة لأنهم مسلمون . قوله تعالى : إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ . إن قلت : هلا قيل : جعلته رميما فهو أبلغ ؟ قلت : الرميم هو الحالة التي يؤل إليها العظم والنبات ، والمقصود هنا أن الريح أهلكتهم في الحال لا أنها صيرتهم إلى حالة التي يؤول بهم إلى الرميم ، ولم يقل : جعلته رميما لاحتمل أمرين : أحدهما حقيقة وهو أنهم صاروا في الحال رميما . والثاني : مجاز وهو أنها إماتتهم فصاروا إلى حالة يؤول أمرهم فيها إلى الرميم ، فلما قال : كَالرَّمِيمِ أفاد نفي احتمال ذلك المجاز ، وأنهم في الحال شبهوا الرميم الذي تفتت من عظم وإنبات بطول القدم والمكث . قوله تعالى : حِينٍ . ما بعد حتى داخل فيما قبلها ، فالحين جواز زمنه التمتع . قوله تعالى : فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ . دليل على أن النهي عن الشيء أمر بضده ؛ لأنهم كلفوا تكليفا عاما في الأمر والنهي ، أو يقال : أن جميع ما كلفوا به نهي وسمي أمرا . قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ . إن قلت : لما أخرت [ 70 / 344 ] قصة نوح عليه السّلام مع تقدم زمانه على أزمان أهل القصص المتقدمة ؟ قلت : لأن رسالته لما كانت عامة لأهل الأرض حقت به تلك القصص كما حقت النبوة نبينا صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، فإن قلت : لم علل هلاك قومه بنسفهم ولم يعلل إهلاك غيرهم ؟ قلت : لتطاول زمانه وشدة مقاساته قومه . فإن قلت على قراءة حفص : إن كانت الواو للترتيب بطل قول الأصوليين ، إن قولك : جاء زيد وعمرو قبله تناقض وإن لم تكن للترتيب فما أفاد من قبل ، قلت : إما أن يقول هي للترتيب في الذكر وإنما يلزم التناقض ، وإن لم تكن للترتيب فما أفاد